Ads by Smowtion2

الثلاثاء، 11 أكتوبر 2011

سيكولوجية الغش فى الإمتحانات


أحد الأصدقاء كانت توكل إليه مسئولية الإشراف على لجان الإمتحانات فى أماكن مختلفة وكان موسم الإمتحانات بمثابة أزمة حقيقية له ولأسرته وللجان التى يشرف عليها ...
فقد كان الرجل من ذلك الطراز الذى برفض الغش بكل أنواعه وكل درجاته
ولا يقبل الحلول الوسط أو الحلول التوفيقية أو التلفيقية أو المواءمات أو المساومات أو المجاملات أو التهديدات , وفى أكثر من مرة كان ينجو من الموت بأعجوبة
فققد كان أهل الطلاب يتحرشون به وينتظرونه خارج اللجنة ليفتكوا به لأنه ضيق عليهم الخناق فلم يأخذوا حقهم فى الغش , وكان يتم هذا فى أحيان كثيرة بإيعاز من بعض المراقبين ومشرفى الأدوار الذين كانوا يرفضون أسلوبه المتشدد ( فى نظرهم ) فى المراقبة وكانوا يحرضون الأهالى عليه بشكل مباشر أو غير مباشر
وكان الخطر يتفاقم إذا كانت اللجنة فى أماكن ريفية نائية حيث العائلات والعصبيات وحيث انعدام وسائل الحماية لغريب جاء ليتحكم فى مصائر أبنائهم ويمنع عنهم حقا من حقوقهم التى اعتادوا عليها سنوات طويلة . وحين كان يحاول طلب الحماية من الأمن لم يكن يجد أذنا صاغية بل كانوا يعتبرونه مثيرا للمشاكل والقلاقل والشغب بسلوكه المتعنت تجاه محاولات الغش المعتادة
وكانوا يعتذرون له بلباقة ( أو بدونها ) بأن القوة غير كافية لمواجهة بلدة أو حى أو قرية 
فما كان منه إلا أن يضع روحه على كفه ويخرج من اللجنة معرضا نفسه لأخطار عديدة . ونظرا لكثرة المشاكل فى هذا الشأن قرر الإعتذار عن رئاسة لجان الإمتحانات
وقبلت الإدارة اعتذاره بسرعة وسهولة ( على غير عادتها فى هذا الشأن وفى غيره ) ربما تفاديا لمشاكل كثيرة سببها لهم .

وعايشت محنة أحد رجال الأمن حين حاول التصدى لمحاولة غش جماعى بالميكروفون أمام أحد المدارس يقوده أحد الأعيان , وكانت النتيجة أن ذهبت شكاوى فى رجل الأمن تقول بأنه أهان هذا الرجل من الأعيان وأهان أهل هذه البلدة , فجاءت حركة التنقلات لتدفع برجل الأمن هذا إلى إحدى محافظات الصعيد .

ورأيت فى يوم من الأيام مشادة بين اثنين من أعضاء هيئة التدريس فى أحد الجامعات وعلمت أن سببها أن أحدهما قد وصّى الآخر على أحد الطلاب ثم اكتشف أنه لم يقم بعمل اللازم كما يتوقع هو وهو الدرجة النهائية بلا نقصان على الرغم من أن هذا الطالب – كما ذكر عضو هيئة التدريس الآخر – لم يفتح فمه بكلمة إجابة واحدة تبرر إعطاءه أى درجة ناهيك عن الدرجة النهائية .

قد تكون شعرت بالضيق والملل أيها القارئ وتقول : وما الجديد فى ذلك ؟ .... وهذه هى المشكلة أن أمر الغش فى الإمتحانات لم يعد يثير انفعالا ذا قيمة عند مستقبله , فالأمر لا يعدو شقاوة طلاب أو رأفة مراقبين أو حرص أولياء أمور على نجاح وتفوق أبنائهم . وهذا جزء من الخلل الذى أصاب الضمير العام فأصبح لا يستنكر بعض الظواهر الإجتماعية مثل الرشوة أو الغش فى الإمتحان , وحتى لو تحدث عنها فإنه يتحدث عنها كأمر واقع لا مفر منه , وأن هناك أشياء أهم وأخطر جديرة بالحديث فيها وعنها  . 

والغش فى الإمتحانات تكمن خطورته فى أنه التجربة الأولى للغش فى الحياة لذلك فهو البذرة الأولى لكل أنواع الغش والتدليس فى أى مجتمع مثل التزوير فى الأوراق الرسمية ( تذكر خروج الشباب فى مصر للدفاع عن مطرب شاب حوكم بسبب تزويره لشهادته الدراسية ولشهادة إعفائه من الخدمة العسكرية ودلالة ذلك على الميزان القيمى له ولهم ) , وانتحال الشخصيات , والخداع فى الخطبة والزواج  , وتقديم ضمانات وهمية للبنوك للحصول على قروض يتم تهريبها والهرب معها , وتزويرالإنتخابات , واغتصاب حقوق الشعوب , إلى آخر ذلك من الجرائم التى تنتمى فى بداياتها إلى استحلال الغش فى الإمتحانات من الطالب ومن المراقب ومن المجتمع . 

والآن نحاول أن نستقرئ التركيبة النفسية للغش فى الإمتحانات وذلك بقراءة طبيعة ودوافع أطراف هذه العملية كالتالى :

 طبيعة ودوافع من يغش : من يقوم بفعل الغش يمكن أن يندرج تحت أحد الأنماط التالية :

1 – الطمّاع : وهو الذى يريد أن يأخذ أكثر مما يستحق وأكثر مما تسمح به ملكاته وقدراته

2 – اللص : وهو الذى يسلب الآخرين ممتلكاتهم وحقوقهم ( الفكرية فى هذه الحالة )

3 – المغامر : وهو الذى يجد فى الغش نوع من المغامرة والمخاطرة يسعد بها لأنها خروج عن المألوف يعطى شعورا بالقدرة على الأعمال الإستثنائية وعلى اختراق الحواجز

4 – المتمرد : فالغش هنا خروج على السلطة ( المدرسية أو الإجتماعية أو السياسية ) وكسر لقوانينها وخداع لها , وكل هذا يعطى الإحساس بكسر سلطة المدرس والمدرسة والمجتمع والحكومة .

5 – السيكوباتى : الذى لا يحترم نظم وقوانين المجتمع ويعيش لرغباته ومكاسبه ولا يتعلم من أخطائه .

6 – السلبى الإعتمادى : الذى لا يحب أن يتعب أو يجتهد فى تحصيل العلم ولكنه يعتمد دائما على جهود الآخرين ومساندتهم .

7 – الإنتهازى : الذى ربما لايمارس سلوك الغش طول الوقت ولكنه على استعداد فى ظروف معينة أن يغير قيمه ومبادئه إذا وجد أن هذا سيحقق مصالحه فى ظرف بعينه .

  طبيعة ودوافع من يغشش : أما من يتطوع بإعطاء معلومات للآخرين أثناء الإمتحانات فيمكن أن يكون أحد الإحتمالات التالية :

1 – فاقد الثقة بنفسه : لذلك يريد أن يثبت للآخرين أنه يعرف مالا يعرفونه وأن باستطاعته تقديم العون لهم

2 – المتسول للحب : وهو شخص يفتقد الحب من الناس ( أو على الأقل يشعر بذلك ) لذلك فهو يتطوع لخدمتهم استجداءا لحبهم واهتمامهم

3 – صاحب المروءة الكاذبة : والذى يتخيل أن مساعدة الزملاء والأصدقاء فى الإمتحان نوع من المروءة والشهامة والإيثار

طبيعة من يرضى بالغش من المراقبين ورؤساء اللجان : هؤلاء يمكن أن يندرجوا تحت أحد الإحتمالات التالية:

1 – المشوه أخلاقيا والذى اختلطت لديه الأمور فلم يعد يرى فى الغش أى مشكلة بل بالعكس ربما يراه نوعا من الرأفة والرحمة للطالب ولأسرته وخدمة للمجتمع بأن ينجح أكبر عدد من الطلاب .

2 – المجامل , الذى ربما لا يرغب فى تسهيل الغش ولكنه يحب المجاملات ويضعف أمامها فلا يستطيع أن يقول لا لمن يطلب منه شيئا

3 – السلبى المستسلم الضعيف , الذى لا يستطيع أن يقول لا رغم رفضه الداخلى لهذا الأمر ومعرفته بعدم مشروعيته إلا أنه يؤثر السلامة ويتجنب المواجهة ويترك الأمور تسير كما يريد الآخرون

4 – السيكوباتى , الذى يحقق منافع من وراء تسهيل الغش سواء كانت مكاسب مادية أو وظيفية أو اجتماعية أو غيرها , وهو فى سبيل ذلك يدوس النظم والقوانين والقيم لأنه منذ البداية لا يحترمها ويعتبرها قيودا غير منطقية على سلوكه 

 طبيعة المجتمع الذى ينتشر فيه الغش : هو مجتمع سقطت فيه قيم كثيرة أهمها الصدق والعدالة واحترام العمل الجاد وجعله وسيلة للإرتقاء فى السلم العلمى والمهنى والإجتماعى , وهو مجتمع أصبح ضميره العام معتلا فأصبح لا يستنكر مثل هذه الظواهر بل يراها أمورا بسيطة لا تستدعى القلق والإستنفار وأنها مجرد شقاوة طلاب لا تستدعى أكثر من التنبيه أو الزجر اللطيف فى أصعب الأحوال , وهو مجتمع يقبل الرشوة ويقبل الكذب ويقبل تزوير الأوراق الرسمية وتزوير الإنتخابات وتلفيق القضايا وتشويه سمعة الناس , وهو مجتمع لم يعد للمصلحين فيه صوت مسموع بل علا فيه الباطل وتوحّش وأصبح يفرض قيمه وموازينه بلا حرج أو خجل .

والطالب حين يمارس الغش منذ صغره فإنما هو يتعلم هذا السلوك بكل تفاصيله , وفى كل عام يتفنن فى وسائل جديدة للغش مما يكسبه مهارات سيكوباتية تتراكم معه مع الزمن حتى إذا كبر صار سيكوباتيا كبيرا يخدع الناس ويسطو على حقوقهم دون أن يتمكنوا من فضحه أو إيقافه عن ذلك لأنه يكون مسلحا بقدرات غير عادية اكتسبها على مدار السنين من خبرات الغش المدرسى والغش الحياتى , وربما يصل هذا الغشاش الذكى الطمّاع السيكوباتى المحترف إلى مناصب قيادية تمكنه من نشر قيمه ومفاهيمه على مستوى أوسع فى المجتمع, وبهذا يهئ وجود قواعد أخلاقية فاسدة تحتمى بقشرة زائفة من الأخلاق الواهية يخدع بها الآخرين . ومع تزايد أعداد الغشّاشين فى مواقع مختلفة نجد أن المجتمع يصبح مخترقا ومهلهلا وقائما على أخلاق نفعية انتهازية غير أخلاقية , وربما يكون التبرير لهذا التدهور الأخلاقى أن الحياة العصرية تستلزم المرونة والتعامل بواقعية وأن ما دون ذلك هو المثالية الرومانسية التى لا تصلح للحياة اليومية بتعقيداتها , وهكذا يتدهور الميزان الأخلاقى للمجتمع ككل تحت دعوى الأمر الواقع الذى فرضه مجموعة من الغشّاشين الذين سكت عن غشهم المجتمع أو تواطأ معهم فيه . وفى المقابل نجد المكافحين والجادين والصادقين يكابدون مصاعب جمة حيث أصبحت المنظومة الإجتماعية فى صالح الكذّابين والمنافقين والمخادعين واللصوص ومن يدور فى فلكهم أو ينتفع منهم , وبهذا تسقط أو تضعف مع الوقت تلك الرابطة المقدسة بين العمل وقيمة العائد , فتنتشر قيم الفهلوة والنفاق والخداع . 

هل ظن أحدنا فى يوم من الأيام أن الغش فى الإمتحانات له كل هذه الأبعاد المخيفة , وإذا كنا قد ظننا ذلك فلماذا تواطئنا بالسكوت أو بالضعف فلم نقاوم هذا الوباء المستشرى فى بلادنا والذى يفرخ لنا كل يوم فاسدين محترفين يهددون قيم المجتمع ويشوهون فطرته . ومن هنا نفه قول الرسول صلى الله عليه وسلم : " من غشنا فليس منا " .



 دكتور / محمد المهدى

 استشارى الطب النفسى